ترامب يغرق الولايات المتحدة بفشل سقوط رهانات الحرب

د.مثنى إبراهيم الطالقاني

في ختام حربٍ إقليمية معقدة شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، تتكشف ملامح مشهد سياسي وعسكري مختلف تماماً عما سعى اليه دونالد ترامب  فبدلاً من تحقيق الأهداف المعلنة، برزت سلسلة من الإخفاقات التي أعادت رسم توازنات المنطقة وأضعفت صورة واشنطن كقوة قادرة على فرض إرادتها.

منذ اللحظة الأولى كان الهدف الأكبر يتمثل في تغيير النظام الإيراني، إلا أن هذا الرهان سقط سريعاً حيث أظهرت طهران تماسكا داخلياً حال دون أي اختراق سياسي أو أمني. 

ولم ينجح الضغط العسكري والاقتصادي في تحقيق هدف السيطرة على النفط الإيراني أو حتى تصفير صادراته ما شكل ضربة قوية لاستراتيجية “الخنق الاقتصادي”.

على المستوى الجيوسياسي، أخفقت واشنطن في فرض سيطرتها على مضيق هرمز أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة في العالم حيث بقيت مفاتيحه بيد الحرس الثوري الإيراني ما أجهض أي محاولة لفرض واقع عسكري جديد. 

كما فشل الرهان على إشعال الداخل الإيراني أو تحفيز انقلاب داخلي، لتبقى الجبهة الداخلية أكثر تماسكا مما توقعت الإدارة الأميركية.

وفي الداخل الأميركي، انعكست هذه الإخفاقات بشكل مباشر على شعبية ترامب إذ تآكلت قاعدته الجماهيرية مع تصاعد الانتقادات لفشل الحرب وارتفاع كلفتها، دون تحقيق نتائج ملموسة.. أما خارجياً فلم يتمكن من حشد الحلفاء الأوروبيين خلفه، بل شهدت مواقفه عزلة غير مسبوقة حتى من شركائه التقليديين.

عسكرياً، تعرضت صورة التفوق الأميركي لهزات واضحة مع الحديث عن إسقاط طائرات شبحية تُعد من مفاخر الصناعة العسكرية الأميركية، إضافة إلى عجز منظومات الدفاع والرادارات المتطورة عن حماية القواعد العسكرية في الخليج. 

كما أصبحت حاملات الطائرات ضمن مدى الصواريخ الإيرانية، ما حدّ من قدرتها على المناورة وفرض الهيمنة.

وفي جبهات أخرى، لم تحقق واشنطن أهدافها في إضعاف حلفاء إيران في المنطقة، فقد بقيت قوى من محور المقاومة كحزب الله فاعلاً دون انكسار. 

كما فشلت خطط “الشرق الأوسط الجديد” في إعادة تشكيل المنطقة وفق الرؤية الإسرائيلية والأمريكية .

أما على مستوى الملفات الاستراتيجية، فقد أخفقت الحرب في إنهاء البرنامج النووي الإيراني أو الحد من تطوير الصواريخ الباليستية، ما يعني أن الأهداف الأساسية بقيت دون تحقيق… ولم تنجح واشنطن أيضاً في تشكيل تحالف عربي واسع ضد إيران، رغم الضغوط السياسية والإعلامية.

وفي ظل هذه التراكمات، ظهرت بوادر تململ داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، مع استقالات وإقالات في صفوف القيادات في مؤشر على عمق الأزمة. 

كما لم تنعكس الحرب إيجاباً على الاقتصاد الأميركي، حيث بقيت أسعار الوقود مرتفعة خلافاً للوعود التي أطلقتها الإدارة.

وفي المحصلة، وجد ترامب نفسه مضطراً للقبول بوقف إطلاق النار وفق شروط إيرانية شبه كاملة في تحول لافت من خطاب القوة إلى خطاب التهدئة. 

ورغم محاولته تصوير ذلك كنصر تاريخي فإن الوقائع على الأرض كانت تشير إلى عكس ذلك خاصة مع الادعاء بفتح مضيق هرمز الذي لم يُغلق أساساً.

هكذا انتهت الحرب لا بانتصار حاسم كما كان ترامب يصوره عبر تصريحاته المتناقضة بل انتهت بسلسلة من الإخفاقات التي أعادت تعريف موازين القوة وأظهرت حدود القدرة الأميركية على فرض مشاريعها في منطقة شديدة التعقيد.