بائعة الورد

فدى الحاج

كانت تقف بين السيارات كأنها زهرة نبتت في مكانٍ لا يليق بها

فتاة في ربيع العمر، تحمل بيدها سلة ورد، وبعينَيها حكاية صبرٍ طويلة. لم يكن المارة يرون منها سوى ابتسامة هادئة، لكن خلف تلك الابتسامة كانت تختبئ روحٌ تعرف معنى الفقد جيدًا.

في ظهيرة يوم مزدحم، توقفت سيارة سوداء اللون بجانبها، لم يكن المشهد مختلفًا عن أي يوم آخر، حتى ترجل منها شاب وسيم، لكن ملامحه كانت مثقلة بحزن واضح، كأن الحياة أثقلت قلبه أكثر مما يحتمل.

تقدم نحوها، نظر إلى الورد، ثم قال بصوت خافت:

“وردة حمراء من فضلك”.

ناولته الوردة، لكن عينيها سبقتا يدها… تأملت عينيه، ورأت فيهما شيئًا لم تستطع تجاهله. لم يكن مجرد حزن عابر، بل وجعٌ عميق.

ابتسمت له بلطف ثم قالت:

“أحيانًا، الوردة الحمراء وحدها لا تكفي

تفاجأ، من كلامها، لكنه لم يزعجه جملتها، حينها سألها:

كأنك تقرئين وجوه الناس؟

قالت بابتسامة رسمت على شفتيها: ممكن أن أكون كذلك كوني طالبة علم نفس.

من هنا بدأت الحكاية

في ذلك اليوم، أخبرها عن حزنه… عن خيبةٍ كسرت ثقته، وعن أيامٍ صار فيها الصمت صديقه الوحيد. كانت تستمع له باهتمام، لا تقاطعه، ولا تحكم عليه… فقط كانت تفهمه.

رحل بعد حديث طويل، لكنه لم يرحل فعلًا، صار يمر كل يوم.. أحيانًا يشتري الورد، وأحيانا لا يشتري سوى بعض الوقت.

كانت الأحاديث تكبر كل مرة أكثر فأكثر، إلى أن أصبحت بينهما راحة كبيرة، أضافت إلى الحديث طمئنينة كانا يحتاجانها معًا.

وبعد فترة من الوقت، سألها: وأنت كيف وصلت إلى هنا؟

تنهدت، وقالت: أنا يتيمة وليس لي من يعيلني، لدي حلم أن أتابع دراستي، كي أستطيع أن أساعد ناس في حل مشاكلهم، فيأخذون من ضعفهم قوة تساعدهم على مواجهة الصعاب.

نظر اليها طويلًا… وكأنه لأول مرة يرى القوة بشكلها الحقيقي.

منذ ذلك اليوم، لم تعد مجرد بائعة الورد في نظره فحسب.

بل أصبحت مرآةً يرى فيها نفسه بشكلٍ أوضح، وصوتًا هادئًا يعيد ترتيب فوضى قلبه.

وذات مساء، جاءها وهو يحمل وردة حمراء بدلًا منها.

مَدّ يده اليها وقال: اليوم أنا من سيقدم لك وردة حمراء لأنك سبب إعادتي إلى حياة قد ظننتها أنها غادرتني دون عودة.

ابتسمت، وأخذت الوردة من يده بصمتٍ دافئ، كأنها تستلم اعترافًا لا يُقال بالكلمات.

نظرت إليه هذه المرة، فوجدت في عينيه، حياةً ودفءً وامتنانًا.

فمن بين ضجيج الشارع، ولدت حكاية.

حكاية فتاةٍ لم تكسرها الحياة، بل صقلتها… فصارت تعالج الناس بابتسامةٍ صادقة وعلمٍ يضيء عتمة أرواحهم المتعبة.