د. مثنى إبراهيم الطالقاني
في الخطاب السياسي المعاصر كثيراً ما تُقدم المعارضة بوصفها التجسيد النقي للديمقراطية، والحارس الأمين لقيم الحرية والكرامة والعيش الرغيد.
غير أن قراءة متأنية للتجارب التاريخية، بعيداً عن الشعارات البراقة، تكشف حقيقة أكثر تعقيداً فالمعارضة، في كثير من النماذج، لم تكن مشروعاً ديمقراطياً بديلاً بقدر ما كانت أداة لإزالة الحكم القائم واستبداله بسلطة أخرى تخدم مصالح الجهة المعارضة وحلفائها، لا مصالح الشعوب التي استُدرجت إلى ميادين الصراع.
الديمقراطية، في جوهرها، تقوم على التداول السلمي للسلطة، واحترام الإرادة الشعبية، وبناء مؤسسات قادرة على تمثيل المجتمع بمختلف أطيافه.
إلا أن ما شهدته عدة دول خلال العقود الماضية يبين أن كثيراً من حركات المعارضة لم تسعى فعلياً إلى ترسيخ هذه المبادئ، بل استخدمتها كغطاء خطابي لتعبئة الشارع، تمهيداً لإسقاط النظام القائم، ثم إعادة إنتاج سلطة مشابهة وربما أكثر قسوة ولكن بوجوه جديدة وتحالفات مختلفة.
وقد امتلأ التاريخ الحديث بأمثلة لأنظمة أُطيح بها تحت عناوين الحرية والديمقراطية، غير أن النتائج النهائية أعادت المجتمعات إلى المربع الأول: سلطوية جديدة، تبعية اقتصادية وسياسية، وانقسامات اجتماعية أعمق، لتبقى الأسئلة الجوهرية معلقة حول مصير وعود الديمقراطية وتطلعات الشعوب.
لقد أثبتت التجربة أن استعطاف الشعوب عبر خطاب المظلومية والكرامة لا يعني بالضرورة تمكينها.
ففي كثير من الحالات، جرى استثمار المعاناة الشعبية لتبرير تدخلات خارجية أو لتمرير مشاريع سياسية جرى الإعداد لها مسبقاً في غرف القرار الدولية. وما إن يتحقق هدف إسقاط النظام، حتى تتراجع الشعارات، وتتكشف حقيقة المشروع: نظام جديد لا يقل ارتهاناً للخارج، ولا أكثر وفاءٍ لحقوق الناس أو مصالحهم الوطنية.
في هذا السياق، يبرز ما تشهده إيران اليوم من حراك شعبي فئوي بوصفه نموذجاً معاصراً لهذا النمط.
فمع التسليم بوجود مطالب داخلية مشروعة، فإن توظيف هذا الحراك سياسياً وإعلامياً، واحتضانه الواضح من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، يكشف عن غاية تتجاوز الإصلاح إلى الإطاحة بالنظام الإيراني نفسه.
فالهدف، المعلن أو المضمر، لا يتمثل في تحسين شروط الحياة للإيرانيين، بقدر ما يهدف إلى إنتاج نظام موالٍ للغرب، يعيد تموضع إيران في الخارطة الجيوسياسية بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية.
وإذا ما عدنا خطوة إلى الوراء، فإن المشهد السوري يقدم دلالة أكثر وضوحاً على هذا المسار.
فقد بدأ المشروع بمحاولة تغيير النظام عبر دعم مجموعات مسلحة، جرى توصيفها لاحقاً وباعترافات صريحة على أنها أدوات لتحقيق استراتيجيات إقليمية ودولية.
إن اعترافات قادة مثل دونالد ترامب، ورجب طيب أردوغان، وبنيامين نتنياهو، بشأن أدوارهم في مسار الأحداث السورية، لم تترك مجالاً للشك بأن ما جرى لم يكن ثورة ديمقراطية خالصة، بل جزءاً من مشروع أكبر يستهدف إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، وإزالة العوائق أمام قيام ما يُسمى بـ”دولة إسرائيل الكبرى”.
ولم تكن سوريا هدفاً بحد ذاتها، بل حلقة في سلسلة، فيما تُقدم إيران اليوم بوصفها الحلقة التالية في مشروع تغيير الأنظمة غير المنسجمة مع الرؤية الغربية الإسرائيلية للمنطقة.
إن الخلاصة التي تفرض نفسها بوضوح هي أن تغيير الأنظمة عبر التدخل الخارجي، مهما تزين بخطاب حقوق الإنسان والديمقراطية لا يخدم تطلعات الشعوب، ولا يحقق لها الاستقرار أو الازدهار بقدر ما يخدم في جوهره قوى الاستعمار الكبرى التي تبحث عن أنظمة وظيفية مطواعة تؤمن مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية.
وفي المحصلة، تكون الشعوب هي الخاسر الأكبر: دول مدمرة، سيادة منقوصة واقتصادات مرهونة ونخب سياسية عاجزة عن إنتاج مشروع وطني مستقل.
إن النقد الحقيقي للمعارضة لا يعني الدفاع الأعمى عن الأنظمة القائمة، بل يعني كشف الزيف حين تتحول المعارضة من أداة إصلاح ديمقراطي إلى وسيلة لهدم الدولة واستبدالها بتبعية جديدة.
فالديمقراطية لا تُستورد على ظهر الدبابات، أو قصف الجيوش النظامية، ولا تُفرض بإملاءات الخارج، بل تُبنى من الداخل، بإرادة وطنية مستقلة، وبمشروع سياسي يضع مصلحة الشعوب فوق حسابات القوى الكبرى.
وما لم تُدرك المجتمعات هذه الحقيقة ستظل تدور في حلقة مفرغة: إسقاط نظام باسم الحرية، ثم اكتشاف أن الحرية لم تكن سوى شعار في معركة لا تخدم إلا غيرها.




