بقلم السفير الدكتور أحمد علي الكناني
في خضمّ التصعيد الإقليمي والتوترات المتسارعة، لم يعد الحديث عن القوة العسكرية التقليدية كافيًا لفهم ما يجري. فإيران، التي رسّخت خلال السنوات الماضية مفهوم “الردع غير المتكافئ”، تطرح اليوم معادلة أكثر جرأة: استهداف الاقتصاد بدلًا من الجيوش. وهنا يبرز السؤال الحاسم: هل التلويح بضرب مصافي الخليج أو منشآت حيوية في حيفا مجرد استعراض إعلامي مبالغ فيه، أم أنه رسالة استراتيجية وصلت بوضوح إلى الولايات المتحدة وحلفائها؟
من الواضح أن طهران لا تسعى إلى حرب شاملة بقدر ما تسعى إلى منعها. وهذا التناقض الظاهري هو جوهر عقيدتها العسكرية. فهي تدرك أن المواجهة المباشرة مع قوة كبرى ستكون مكلفة، لكنها، في المقابل، طوّرت أدوات تجعل أي هجوم عليها مكلفًا للطرف الآخر أيضًا. الصواريخ الدقيقة، والطائرات المسيّرة، والعمل عبر حلفاء إقليميين—كلها عناصر تصبّ في هدف واحد: خلق توازن ردع لا يعتمد على التكافؤ، بل على القدرة على الإيلام.
ولكي لا يبقى هذا الطرح نظريًا، تكفي الإشارة إلى حوادث سابقة في المنطقة أظهرت هشاشة المنشآت النفطية أمام هجمات دقيقة، حتى عندما تكون محمية بأنظمة دفاع متطورة. لم يكن المطلوب تدميرًا شاملًا، بل تعطيلًا جزئيًا أحدث ارتباكًا في الأسواق، ورفع منسوب القلق العالمي. هذه النماذج تعطي مصداقية للطرح الإيراني: التأثير ممكن، حتى لو لم يكن الحسم الكامل مضمونًا.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل جانب المبالغة في الخطاب الإعلامي. فاستهداف منشآت نفطية محصّنة في الخليج أو مواقع صناعية حساسة في حيفا ليس مهمة سهلة، ويتطلب تجاوز طبقات معقدة من الدفاع الجوي والرصد الاستخباراتي. إن تصوير هذه العمليات وكأنها قابلة للتنفيذ بضغطة زر يفتقر إلى الدقة، بل قد يكون جزءًا من حرب نفسية بحد ذاته.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن هذا النوع من الردع قد يواجه تحديًا مستقبليًا: فإذا لم يُترجم إلى أفعال ملموسة، فقد يفقد جزءًا من مصداقيته، أو يدفع الخصوم إلى تطوير دفاعات تقلّل من تأثيره. بمعنى آخر، الردع القائم على التهديد فقط يحتاج إلى تجديد دائم لإثبات جديته.
لكن الرسالة الإيرانية تتجاوز الجانب العسكري البحت؛ فهي رسالة اقتصادية بامتياز. إذ إن أي صراع لن يبقى في حدود الجغرافيا، بل سيمتد إلى شرايين الطاقة العالمية. واستهداف النفط يعني استهداف الاقتصاد الدولي، وهو ما يجعل أي قرار بالتصعيد قرارًا عالي الكلفة، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا واقتصاديًا.
والأهم أن إيران نجحت في توسيع مفهوم ساحة المعركة. فلم تعد المواجهة مرتبطة بحدودها، بل أصبحت شبكة ممتدة عبر الإقليم، تتيح لها العمل بمرونة وخلق ضبابية استراتيجية تُربك خصومها. وهذه القدرة على المناورة تجعل من الصعب احتواء أي تصعيد ضمن نطاق ضيق.
في المحصلة، قد يكون في الخطاب الإيراني شيء من التضخيم، لكن التقليل من شأنه سيكون خطأً أكبر. فالردع لا يُقاس فقط بما يحدث، بل بما يمنع حدوثه. وإذا كانت القوى الكبرى تعيد حساباتها عند كل تصعيد، فهذا دليل على أن هذه المعادلة، بكل ما فيها من مبالغة وواقعية، قد نجحت في فرض نفسها



