تسييس الطاقة وتسليحها: حين تتحول حقول النفط إلى ساحات حرب

السفير الدكتور احمد علي الكناني

لم يعد التصعيد بين إيران من جهة والولايات المتحدة والكيان المحتل من جهة أخرى احتمالًا نظريًا أو قراءة استشرافية بل أصبح واقعًا ميدانيًا تُرجم بضربات مباشرة استهدفت منشآت الطاقة الإيرانية وأعقبتها ردود حملت رسائل واضحة بأن الصراع دخل مرحلة “كسر التوازنات” لا مجرد تسجيل نقاط.

الضربات التي طالت البنية التحتية للطاقة في إيران لم تكن عسكرية الطابع فقط بل اقتصادية–استراتيجية بامتياز. فقد استهدفت أحد أهم أعمدة القوة الإيرانية أي القدرة على الإنتاج والتصدير وهو ما انعكس سريعًا على الداخل الإيراني من جهة وعلى الأسواق العالمية من جهة أخرى حيث شهدت أسعار النفط حالة من الارتفاع والقلق مدفوعة بمخاوف اتساع رقعة الاستهداف.

لكن التطور الأبرز لم يكن في الضربات ذاتها بل في طبيعة الرد الإيراني فقد أظهرت إيران أنها لا تنوي حصر ردها في الإطار التقليدي إذ تجاوزت الرسائل العسكرية المباشرة نحو الكيان المحتل لتلوّح وتتحرك جزئيًا باتجاه توسيع دائرة الضغط لتشمل بيئة الطاقة الإقليمية بما فيها دول الخليج.

هذا التحول يضع المنطقة أمام معادلة جديدة:
لم يعد استهداف الطاقة محصورًا بدولة واحدة بل أصبح أداة ردع متبادلة. فكما استُهدفت منشآت داخل إيران باتت منشآت الطاقة في محيطها الجغرافي ضمن دائرة الخطر سواء عبر ضربات مباشرة أو تهديدات غير متماثلة تشمل الهجمات السيبرانية أو استهداف خطوط الإمداد.

وفي قلب هذا المشهد يبرز مضيق هرمز بوصفه النقطة الأكثر حساسية في معادلة الصراع. فالمضيق لم يُغلق فعليًا لكنه أصبح تحت تهديد دائم ما يكفي لرفع كلفة النقل والتأمين وإبقاء الأسواق في حالة توتر مستمر. وهنا يتضح أن التأثير لم يعد مرتبطًا بالفعل العسكري فقط بل بخلق حالة “عدم يقين” طويلة الأمد.

دول الخليج التي وجدت نفسها في محيط هذا التصعيد تواجه اليوم اختبارًا معقدًا فهي من جهة تعتمد على استقرار أسواق الطاقة ومن جهة أخرى تقع ضمن المجال الجغرافي لأي رد إيراني محتمل وهذا يضعها أمام تحدي حماية منشآتها الحيوية دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية.

أما على مستوى النظام الدولي فقد كشفت هذه الأحداث عن هشاشة منظومة أمن الطاقة حيث يمكن لضربات محدودة نسبيًا أن تُحدث تأثيرات واسعة ليس بسبب حجم الخسائر المباشرة بل بسبب ترابط الأسواق واعتمادها الكبير على منطقة الخليج.

في ضوء ما سبق يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات محتملة للمرحلة القادمة. الأول يتمثل في احتواء التصعيد ضمن حدود الرد المحسوب بحيث تستمر الضربات المحدودة دون الانزلاق إلى حرب شاملة وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير. أما الثاني فيقوم على تحول الصراع إلى حرب استنزاف تستهدف البنية التحتية للطاقة بشكل متبادل ما يعني بقاء الأسواق في حالة اضطراب طويل. في حين يبقى السيناريو الثالث والأكثر خطورة، مرتبطًا بأي تطور يؤدي إلى تعطيل واسع للملاحة في مضيق هرمز وهو ما قد يدفع العالم إلى أزمة طاقة حقيقية.

في المحصلة، ما جرى لم يكن مجرد جولة تصعيد عابرة بل بداية لمرحلة جديدة عنوانها تسييس الطاقة وتسليحها وبينما تحاول الأطراف فرض معادلات ردع جديدة يبقى الخاسر الأكبر هو استقرار أسواق الطاقة العالميةزالتي أصبحت أكثر عرضة من أي وقت مضى لتقلبات السياسة والصراع.