من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات ..

أياد السماوي

بعد أكثر من عقدين على التجربة السياسية الجديدة ، لم يعد الجدل في العراق يدور حول أهمية الديمقراطية أو ضرورة الشراكة الوطنية ، بل أصبح يدور حول طبيعة الدولة التي نريدها .. فبعد أن ناقشنا في مقالنا الأول كيف ابتلعت المحاصصة الدولة ، وفي المقال الثاني لماذا لا يمكن بناء دولة المواطنة في ظل استمرارها ، يبرز اليوم السؤال الأكثر أهمية : كيف ننتقل من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات؟
إنٌ هذا الانتقال لا يتحقق بمجرد تغيير الحكومات أو تبديل الوجوه السياسية ، لأنٌ المشكلة لم تعد مرتبطة بالأشخاص بقدر ارتباطها بطريقة إدارة الدولة نفسها .. فالدول لا تستقر عندما تتغير الحكومات ، وإنما عندما تبقى مؤسساتها قوية وقادرة على أداء وظائفها بمعزل عن التحولات السياسية .. ولهذا فإنٌ بناء المؤسسات هو الضمان الحقيقي لاستمرار الدولة ، بينما يبقى تداول السلطة أحد مظاهر حيويتها الديمقراطية ..
لقد أثبتت التجربة أنٌ الدولة التي تُدار بمنطق المحاصصة تجد صعوبة في إنتاج مؤسسات مستقلة ، لأن المؤسسة في هذه الحالة تصبح امتداداً لنفوذ الجهة التي تديرها ، لا امتداداً لسلطة الدولة .. ومع مرور الوقت ، تتراجع الهوية المؤسسية لتحل محلها الهويات السياسية ، فيصبح نجاح المؤسسة أو فشلها مرتبطاً بحسابات القوى المتنافسة ، لا بحاجات المواطنين أو مقتضيات المصلحة العامة ..
أمٌا دولة المؤسسات ، فتنطلق من مبدأ مختلف تماماً.. فهي تقوم على أن تكون المؤسسات العامة ملكاً للدولة وحدها ، وأن يمارس العاملون فيها مسؤولياتهم وفق القانون ، لا وفق الانتماءات السياسية .. فالمؤسسة القوية لا تتغير بتغير الوزير ، ولا تتبدل سياساتها بتغير الحكومة ، لأنها تعمل وفق أنظمة مستقرة ، وتخضع لرقابة فعالة ، ويقودها أشخاص اختيروا على أساس الكفاءة والخبرة ، لا على أساس الحصة والانتماء .. ومن هنا فإن أول خطوة في طريق بناء دولة المؤسسات تتمثل في إعادة الاعتبار لمبدأ الجدارة في إدارة الوظيفة العامة .. فلا يمكن لمؤسسة أن تحقق النجاح إذا كان معيار الوصول إليها هو الانتماء السياسي قبل الكفاءة المهنية .. فالخبرة لا تعوضها الولاءات ، والإدارة الرشيدة لا تُبنى بالتوازنات ، وإنما بالعقول القادرة على التخطيط واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية ..
ولا يقل عن ذلك أهمية ترسيخ استقلال القضاء وتعزيز دور الأجهزة الرقابية ، لأنٌ المؤسسة لا تستطيع حماية نفسها إذا كان القانون يخضع للحسابات السياسية .. فسيادة القانون ليست شعاراً دستورياً فحسب ، بل هي الشرط الذي يمنح الدولة هيبتها ، ويمنح المواطن ثقته بأن الحقوق تُصان ، وأن المسؤول يخضع للمساءلة مهما كان موقعه أو انتماؤه ..
كما أن بناء دولة المؤسسات يقتضي إعادة رسم العلاقة بين الأحزاب والدولة .. فمن حق الأحزاب أن تتنافس على الحكم ، وأن تعرض برامجها على الناخبين ، وأن تسعى إلى تنفيذ رؤاها عبر الوسائل الديمقراطية ، لكن ليس من حق أي حزب أن يعتبر مؤسسات الدولة جزءاً من نفوذه السياسي .. فالدولة تبقى للجميع ، أما الحكومات فتتغير وفق إرادة الناخبين ، وهذه هي القاعدة التي تميز الأنظمة الديمقراطية المستقرة عن الأنظمة التي تختلط فيها الدولة بالسلطة ..
ولعل من أهم الدروس التي أفرزتها التجربة العراقية أن قوة الدولة لا تُقاس بعدد الأحزاب المشاركة في الحكومة ، وإنما بقدرتها على إدارة الاختلاف داخل إطار مؤسساتي يحكمه القانون .. فالتنوع السياسي والاجتماعي يمثل مصدر قوة عندما يكون داخل الدولة ، لكنه يتحول إلى مصدر ضعف عندما يصبح بديلاً عنها أو منافساً لها ..
إنٌ الانتقال من دولة المحاصصة إلى دولة المؤسسات ليس قراراً إدارياً يُتخذ بين ليلة وضحاها ، بل هو مشروع وطني طويل يحتاج إلى إرادة سياسية ، وإصلاح تشريعي ، وثقافة تؤمن بأن الدولة أكبر من الأحزاب ، وأن المصلحة العامة أعلى من المصالح الفئوية .. كما يحتاج إلى وعي مجتمعي يدرك أن قوة المواطن لا تتحقق بقوة الجهة التي ينتمي إليها ، وإنما بقوة الدولة التي تحمي حقوقه وتضمن مساواته مع الآخرين ..
واليوم ، لم يعد العراق بحاجة إلى مزيد من الصيغ التي تعيد توزيع النفوذ ، بقدر حاجته إلى قواعد تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة .. فالمؤسسات لا تُبنى بالمحاصصة ، ولا تستقر بالتوافقات المؤقتة ، وإنما تُبنى عندما يصبح القانون هو المرجعية العليا ، والكفاءة هي معيار المسؤولية ، والدولة هي الإطار الذي يحتضن الجميع دون تمييز .. وعندها فقط ، يمكن القول إنٌ العراق بدأ ينتقل من مرحلة إدارة الدولة بمنطق الحصص ، إلى مرحلة بنائها بمنطق المؤسسات ..