علي وجيه
لا يُمكن أن ترى جماعة، إلاّ عبر علاماتها وطقوسها، فهي ما يصنعُ كلّ فردٍ منهم، ربّما لحظة ما بعد المواجهة يستطيعُ فهمها من غير الشيعة، بدقّة، في هذه الأيام.
الطفلُ الذي تتسلل لأذنه وهو نائمُ لطمات النساء على صدورِهنّ في المجالس النسائية، مع تكرار الـ”أحّاه أحّاه”، يتلقّفهُ الشارع، في ليلة الحجّة (الحَيا، الإحياء) مع رائحة الحطب، وهو نفسه الذي يوقظه صوت عبد الزهرة الكعبي في ظهيرة اليوم التالي، الصوت الذي لا يفهمُ شيئاً منه بدقّة، لأنه طفل، لكنه سيسمعُ المذياع حين يقول “وجلسَ على صدره، وقبض على شيبته، وضربه بالسيف..”، ثمّ ينظر لجدّه وهو يغطّي عينيه بالغترة، وحبّوبته وهي تمسحُ دموعها ممتزجة برائحة الهيل بطرف الشيلة.
ثم يكبر، فيكون له شيء آخر، ليس أمامه إلا أن يحنو على أخته، لأن بطله استشهد، وهو كافل أخته ذات العباءة السوداء، وحين يرى طفلةً صغيرةً في الزقاق، يشتري لها حلوى، لأن طفلةً لم تذق الحلوى، وقُلع قرطُها من اذنها، بعد أن حملوا رأس أبيها على الرمح، ثم يتقطّر من الرأس دمٌ، يكونُ علويين، يمشون بالتاريخ ويذبحهم الجميع، وكلّهم شهيدٌ أخو شهيدٍ ابنُ شهيد والد شهداء، ومن المرويات إلى الأيقونات إلى الفوتوغراف الأبيض والأسود إلى الملوّن إلى الفيديو إلى البثّ الفور كي. ذات العمامة، ذات الوجه العلوي، والشيبة المخضّبة، والكفّ القطيع، على جانب الفرات أو على طريق المطار، في خزانة رؤوس المتوكل أو بحفرة في الضاحية، بسجون صدّام أو بسهمٍ ثلاثيّ الشُعَب.
لكنه يكبر، وتأتي لحظة الموكب، ليقف أمام الحطب، رائحته أجمل من نحر حبيبته، ويدرخُ القيمة بيديه، وينطبخُ معها ذا قيمة، ملحها من دمع الرجال، وقوامُها لحمٌ يُطعم الجائعين، ويتذكّر قولة أميره، حين قال لذي وجه مُصفرّ، وقد نصحه باللحم “كُلْهُ كباباً”، فقال القردةُ عن قادته “كباب”، فكان كباب الكرامة في المعدة العربيّة الخاوية.
يتركُ الشاب مدراخة القيمة، ليُطلقَ المُسيّرة، وحين تنزلُ رجوماً على الشياطين، وصوت عبد الزهرة الكعبي وهو يرتجز:
إن تنكروني فأنا إبنُ الحسن
سبطُ النبيّ المصطفى والمؤتمنْ
هذا حسينٌ كالأسير المُرتَهن..
لكنه لم يعد أسيراً، أطلقه الله سهماً يخترقُ خمسة عشر قرناً، لينبت بكبد الذلّ، والخوف، على يد كلّ طفل، أسلمتْهُ الـ”أحّاه أحاه” لقدر القيمة، لينطبخَ معها ذا قيمةٍ، في عصرٍ ذليل، حيث لا قيمة إلا لاسم صاحب القِدْر وجدّه وأبيه، وأمّه وأخيه، والآخرين من بنيه.




